منتديات احلى اثنين
اهلا وسهلا بك في منتديات أحلى اثنين
مرحبا بك في منتديات احلى اثنين
سجل ولا تتردد


اسلامي, ثقافي, ادبي, رياضي, عــــــام
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
»  الحجاب عفَّة، وأمن للمرأة
أبريل 17th 2011, 02:40 من طرف زائر

» حصرياً قصائد للرادود حسين الحجامي بذكرى أستشهاد السيد الشهيد الصدر
أبريل 17th 2011, 02:22 من طرف زائر

» ابو نؤاس.....
مارس 21st 2011, 17:58 من طرف ahmed_83

» محمد مهدي الجواهري
مارس 21st 2011, 17:54 من طرف ahmed_83

» محاولة اغتيال الفنان ابراهيم طاطلس
مارس 19th 2011, 18:37 من طرف ahmed_83

» حفلة الفنانة مريام فارس في العراق
مارس 19th 2011, 18:35 من طرف ahmed_83

» قناة mcp موسيقى من بغداد
مارس 18th 2011, 03:42 من طرف ahmed_83

» يومية تسألني...
مارس 18th 2011, 03:32 من طرف ahmed_83

» صاحب قناة MCP الفنان ماجد المهندس
مارس 15th 2011, 19:50 من طرف ahmed_83

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 22 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو كالقمر رقيقة فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 512 مساهمة في هذا المنتدى في 245 موضوع

شاطر | 
 

 إربعة بصائر في سورة العصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشق الصدر
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/08/2010
العمر : 40

مُساهمةموضوع: إربعة بصائر في سورة العصر   أكتوبر 30th 2010, 19:22

أربعة بصائر في سورة العصر


بسم الله الرحمن الرحيم
البصيرة والبصائر
في البدء نتحدث عن البصيرة والبصائر.
والقرآن بصائر من عند الله.
﴿قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ الأنعام/ 104 .
فإذا أردنا أن نتحدث عن البصائر الأربعة في سورة العصر فلابد أن نتساءل أولاً عن (البصيرة) و(البصائر) ما هي؟
البصائر في القرآن هي الأفكار والمفاهيم والمبادئ التي تمكننا من فهم الحقائق في الكون والتاريخ والمجتمع والحياة.
ففي الكون، والتاريخ، والمجتمع، وحياة الآخرة حقائق كبيرة وهامة وواضحة، ولكنها رغم وضوحها تخفى على الكثيرين. كما أن هناك حقائق رقيقة لا يدركها إلا من آتاه الله نوراً من بصائر كتابه.
فمن الحقائق الواضحة التي تغيب عن الكثيرين رغم وضوحها هو قوله تعالى في سورة العصر ﴿إنّ الإنسان لفي خسر﴾ فهي تغيب عن أكثر الناس رغم إن الناس جميعاً يعلمون أنّ الإنسان في حالة تناقص دائم، ومع كل نقص خسارة إلا أن يستثمر عمره فيما أحب الله، ومع ذلك يخفى على الكثيرين.
ومن الحقائق الواضحة قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لازيدنكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ فهما من رقائق سنن الله تعالى في الغيب والشهود لا يعرفها الكثيرون ممن أعرضوا عن بصائر القرآن.
وهذه البصائر كما ذكرنا تُمكّن الإنسان من فهم حقائق الكون والتاريخ والمجتمع والحياة في الشهود والغيب.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ الأعراف/ 96 .
فهي تشير إلى حقيقة كبرى في التاريخ والمجتمع وفي حياة الأفراد في علاقة التقوى بنعم الله فإن التقوى تستنزل النعم، كما أنّ العصيان تصدّ النعم.
وبهذه البصيرة نبصر العلاقة بين التقوى ورحمة الله تعالى على الناس.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ الأعراف/ 201 .
في علاقة طرد الشيطان عن الإنسان بالتقوى. فمن يتقي الله تعالى لا يقتحم الشيطان عليه قلبه وعقله ونفسه، وإنما يطوف حوله ليجد ثغرة يتسلّل منها إلى نفسه، فيتذكّر الإنسان دفعة ومرة واحدة حضور الشيطان فيحذره، ويتعوّذ منه، وكأنما التقوى تدفعه إلى الحذر والانتباه، فيتذكر ويُبْصر، فيتوارى عنه الشيطان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾.
في تقرير قانون بقاء العمل وتحوّله من الدنيا إلى الآخرة، من خير او شر، وصواب أو خطأ.
فما من عمل يُقْدِم عليه الإنسان إلاّ ويلقاه عند الله، يوم يلقى الله، ولا يتسرب الفناء والزوال الى أعمال الإنسان. . وهي حقيقة كبرى من حقائق الشهود والغيب بين الدنيا والآخرة وإذا عرف الإنسان هذه الحقيقة يتحول منهج حياته وسلوكه وتفكيره إلى حالة من الوعي والحذر والحرص على لحظات العمر التي تتسرب إليها الفناء..
والقرآن كله بصائر. وفي سورة العصر فقط - وهي ثلاث آيات - أربع بصائر، ولعلها أكثر.
وهذه البصائر تجهّز الإنسان برؤية ربانية صافية نقية، يدرك الإنسان بها الله تعالى والكون والحياة والتاريخ والمجتمع والعلاقات القائمة بين عالم الشهود نحو قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾.
ونحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. والعلاقة ما بين الغيب والشهود. نحو قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً﴾ الإسراء/ 72 .
والعلاقة بين الغيب والغيب نحو قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ غافر/ 18 - 19 .
ونحو قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله، يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾.
في الآية الأولى يخبرنا القرآن عن يوم الآزفة حيث يُطْلِعُ الله عباده على أعمالهم في الدنيا ويحاسبهم عليها، حتى النظرة الخائنة، وما أخفته صدورهم مما لا سبيل لأحد على الاطلاع عليه. . . وكل ذلك من الغيب. . علم الله من الغيب، والمعلوم من الغيب ﴿ما تخفى الصدور﴾.
وفي الآية الثانية حملة العرش والحافون به من ملائكة الله يستغفرون للذين آمنوا. . وكل ذلك من الغيب المستغفرون والاستغفار. فما أحرى بالإنسان أن يضع نفسه في منازل استغفار ملائكة الرحمة.
فهذه البصائر إذن على أنحاء:
منها ما يتعلق بعلاقة الغيب بالغيب، ومنها ما يتعلق بعلاقة الغيب بالشهود، ومنها ما يتعلق بعلاقة الشهود بالشهود.
وهي كما تُجهّز الإنسان برؤية ربانية صافية لهذه الحقائق كذلك توجه فكره وعقله. . ولنقرّب ذلك بآيتي الحمد والعبادة والاستعانة في سورة الحمد:
إذا عرف الإنسان أنّ كل رحمة ونعمة وحول وقوة من عند الله، وأنّ الله هو رب العالمين، وليس من حول ولا قوة ولا نعمة ولا فضل إلا من عند الله، عندئذ لا يحمد الإنسان أحداً غير الله إلا في امتداد الحمد لله، ولا يستعين بأحد غير الله إلا في امتداد الاستعانة بالله، ولا يعبد أحداً غير الله.
وليس معنى ذلك أن لا يحمد الإنسان أحداً على جميل، ولا أن يستعين بأحد أو بشيء غير الله، فإن ذلك على خلاف سنن الله تعالى، وإنّما معنى ذلك أن يعرف الإنسان أنّ الله تعالى هو أهل لكل حمد، وإنما نحمد الناس ونحمد الأشياء بما وهبهم الله من الجميل، فالله تعالى هو الذي يستحق كل الحمد وأي شيء آخر غير الله فهو إنما يستحق الحمد في امتداد الحمد لله وليس مع الله، وهو معنى توحيد الحمد لله (الحمد لله).
وكذلك الاستعانة، فإن كل حول وقوة بالله ، وبالضرورة كل استعانة يكون بالله، وما من شيء أو شخص يمكن أن نستعين به إلا أن تكون استعانتنا به في امتداد الاستعانة بالله.
وهذا المعنى معنى عقلي ذهني محض، ولا دخل له في سلوك الإنسان. فالفلاح يستعين بالبذور والسقي والتربة والحرث. . من دون أن يكون لهذا المعنى تأثير في طريقة عمله، ولكن الفلاح الذي يحمل بصائر التوحيد، يعلم أن كل ما يستعين به وكلّ من يستعين به يأتي في امتداد الاستعانة بالله، وهو في الحقيقة في كل تعامله المادي مع الأشياء والأشخاص واستعانته بها وبهم لا يستعين بغير الله، وكل استعانته بالله، وهو معنى ﴿إياك نستعين﴾، وحصر الاستعانة بالله، وهو المقصود بتوحيد الاستعانة.
وكما توجه البصائر عقل الإنسان وفكره كذلك توجّه سلوك الإنسان ومواقفه وحركته وعلاقاته.
فإن الإنسان إذا عرف أن الابتلاء سُنّة إلهية مطلقة غير مشروطة، تصيب الناس جميعاً، ولا يسلم من الابتلاء أحد، فإذا صبر الإنسان واستقام وتحمّل الابتلاء بسعة صدر، فإنه يضع نفسه في موضع صلوات الله ورحمته. . وإذا جزع في الابتلاء فإنه يخسر هذا الموقع الشريف الرفيع، ولا يحصّن نفسه من الابتلاء. . عندئذ يصبر الإنسان ويستقيم ويقاوم، ولا ينفذ صبره.
تأملوا في هذه الآية الكريمة من سورة البقرة/ 155:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
إن هذه البصيرة من بصائر كتاب الله يوجّه بصورة مباشرة سلوك الإنسان وموقفه في الأزمات والشدائد ويمنحه القوة والمقاومة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ البقرة/ 153 .
فإن الإنسان إذا وعى معية الله للصابرين ﴿إن الله مع الصابرين﴾ يزداد قوة وصموداً ومقاومة وثباتاً.
إذن بصائر القرآن تجهّز الإنسان برؤية ربانية صافية نقية أولاّ. وتوجّه عقله وفكره ثانياً، وتوجه سلوكه ومنطقه ومواقفه وعلاقاته ثالثاً.
والآن ننتقل إلى البصائر الأربعة في سورة (العصر).
البصائر الأربعة في سورة العصر:
هذه أربعة بصائر جمعتها سورة العصر في ثلاث آيات، وتنتظم هذه البصائر الأربعة في الأجزاء الثلاثة للسورة.
والأجزاء الثلاثة في هذه السورة هي (القسم) و(المقسم له وهو جواب القسم)، و(الاستثناء من المقسم له).
ونضرب لذلك مثلاً. فلو قال أحد: (والله إني أذهب أيام الأسبوع إلى المدرسة إلاّ أيام الجمعة).
فإن كلامه هذا يتألف من ثلاثة أجزاء.
القسم، وهو (والله) و(جواب القسم)، وهو التعهد بأن يذهب إلى المدرسة أيام الأسبوع، والاستثناء من جواب القسم، وهو (إلاّ يوم الجمعة).
كذلك سورة العصر تتألف من ثلاثة أجزاء:
1- القسم وهو (والعصر)، 2- و(جواب القسم) وهو القضية التي من أجلها يجري القسم وهو ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، 3- والاستثناء من جواب القسم (المقسم له)، وهو ﴿إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، وهو استثناء من القضية المتقدمة ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾.
هذه هي الأجزاء والفصول الثلاثة لهذه السورة.
وتتضمن هذه الفصول الثلاثة أربعة بصائر من بصائر القرآن.
البصيرة الأولى في القسم، والبصيرة الثانية في جواب القسم، والبصيرة الثالثة والرابعة في الاستثناء.
وكل بصيرة من هذه البصائر تحتاج إلى توقف وتأمل كثير ونحن إن لم نتمكن في هذه المقالة من هذا التوقف الطويل فسوف نحاول إن شاء الله إن نتوقف عند كل واحد من هذه البصائر الأربعة وقفات قصيرة، عملاً بالأصل العقلائي المعروف: إن الميسور لا يسقط بالمعسور.
البصيرة الاولى
القَسَمْ (والعصر)
كلام الله حق، لا ريب فيه، ولا حاجة فيه للقسم.
ولكن القسم أسلوب يباني معروف لتأكيد القضايا وتثبيتها في نفوس المستمعين. وجرياً على هذا الأسلوب البياني يجري القسم في القرآن في مواقع عديدة.
﴿ن والقلم﴾، ﴿ص والقرآن﴾، ﴿والليل اذا يغشى﴾، ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، ﴿والنهار اذا تجلى﴾، ﴿والشمس وضحاها﴾، ﴿يس والقرآن الحكيم﴾، ﴿والضحى والليل اذا سجى﴾، ﴿والتين والزيتون﴾.
السنخية بين القسم والمقسم له:
ومن رقائق القسم في القرآن: السنخية بين القسم والمقسم له. . وهذه السنخية من رقائق نكات القرآن لا يسعنا أن نفصّل فيها الحديث في هذا المقال. ولكن بقدر ما يتعلق بموضوع المقال في سورة العصر: العلاقة بين القسم والمقسم له واضحة، فإن القسم بالعصر، وهو الزمان، والمقسم له الحالة التدريجية لخسارة الإنسان لعمره، ساعة بعد ساعة، ودقيقة بعد دقيقة، وهي حالة الاستهلاك التدريجي لعمر الإنسان، وهو زمانه الذي قدره الله له في هذه الدنيا. فالقسم والمقسم له من سنخ واحد.
دلالات القسم:
كل قسم يتضمن اهتمامين من قبل المتكلم اهتماماً بالمقسم له وهو (جواب القسم) واهتماماً بالمقسم به.
وأقصد بالمقسم له القضية التي يتمّ القسم من أجلها، وهو في هذه السورة ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، وأقصد بالمقسم به: الأمر الذي يقسم به المتكلم وهو هنا (العصر).
وكل من هذين الاهتمامين ملحوظان في هذه السورة المباركة.
1- الاهتمام بالمقسم له (جواب القسم)
وسوف نتحدث عنه في الفصل الثاني من هذه المقالة، والمقسم له هو روح هذه السورة، ومن أجلها كانت هذه السورة.
والسورة بكل أدواتها البيانية من القسم (والعصر) والتصدير بكلمة إن المفيدة للتأكيد والتحقيق ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ موجهة للدلالة على أهمية المقسم له.
2- الاهتمام بالمُقسم به:
ومن دلالات القسم البيانية، إضافة على تأكيد المقسم له، اهتمام المتكلم بما يقسم به، وتعظيمه له، وهو أمر واضح في كل قسم. فلا يتم القسم بما لا قيمة له عند المتكلم او السامع. ففي كل قسم تعظيم واهتمام بأمر الشيء الذي يقسم به.
والقرآن لا يخرج عن هذه القاعدة البيانية.
والمقصود بـ (العصر) الذي يتم به القسم في هذه السورة هو الزمان، وهو أظهر المعاني التي يذكرها المفسرون له، وإليه تعود تقريباً المعاني الاخرى التي يذكرها المفسرون له.
والقسم بالعصر في هذه السورة يدل على أهمية العصر والزمان عند الله، وتعظيم القرآن له. وهذا التعظيم لأمر الزمان والاهتمام الكثير به هو البصيرة الاولى في هذه السورة.
فإن الزمان تاريخ تكامل الإنسان. ولم يتكامل الإنسان، ولم تتكامل حضارة الإنسان، ولم تتكامل معرفة الإنسان وعلومه إلاّ على عمود الزمان.
وإذا ألغينا الزمان من الحساب، فقد ألغينا التاريخ، لأنّ التاريخ هو الحركة التدريجية للزمان. وإذا ألغينا التاريخ توقفنا عند الإنسان في عصره الحجري الأول، يوم كان الإنسان في بدايات المعرفة، لا يعرف بعد صنعة لبوس، ولا يعرف كيف يستخرج النار من الطبيعة.
إنّ تكامل حركة الإنسان وحضارته ومعرفته وعلومه هو التاريخ، والتاريخ هو الزمان.
ولا يختلف دور الزمان في تكامل الفرد عن دور الزمان في تكامل الشعوب والأمم. فإن الإنسان يولد من أمّه لا يعرف شيئاً كما يقول القرآن ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ النحل/ 78 .
وعلى عمود الزمان يتكامل الإنسان، فيتعلّم ويَعْلم ويُعلّم، ويُؤسّس للعلم، ويطوّر العلم، وإذا جرّدنا الإنسان من عامل الزمان بقي الإنسان كما يقول الله تعالى ﴿لا تعلمون شيئاً﴾.
والعلم بعض ما يحققه الإنسان على عمود الزمان. فإن الإنسان يكسب مواقع القرب من الله على عمود الزمان ويرقى الإنسان ويرقى في عروجه إلى الله. . . حتى يكون في أقرب ما يتصوره العقل من القرب من الله تعالى وذلك ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾، وناهيك بهذا الموقع الرفيع الذي لا يناله إلاّ ذو حظ عظيم من المعرفة والقرب واللقاء والعروج إلى الله. ويتم ذلك كله في وعاء الزمان وعلى سلّم الزمان، ولولا الزمان لبقي الإنسان في علاقته مع الله في نقطة الصفر.
صحيح ان الإنسان قد يسقط على سلّم الزمان إلى ما دون نقطة الصفر، فتكون حركته على عمود الزمان حركة عكسية، ولكن ذلك يتم بإرادته واختياره، وهو فقط يتحمل مسؤولية هذا السقوط.
ونحن نقول أن (الزمان) هو عامل الصعود والتكامل في تاريخ الإنسان وحياته، اذا كان هو يريد ذلك.
ولا نقول الزمان وعاء لتكامل الإنسان. . فإن دور الزمان في تكامل الإنسان شيء أكثر من الوعاء، وأبلغ تعبير في ذلك أن نقول: إنه (عامل لتكامل الإنسان وعروجه).
وإذا عرف الإنسان هذه القيمة الكبيرة للزمان في تكامله وعروجه، فلا يفرّط فيه ولا يبذر في السنين والأيام والساعات.
إنه رأس ماله الذي آتاه الله في هذه الدنيا، والتفريط فيه تفريط في رأس المال.
إن التعبير النبوي عن قيمة العمر في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعروف لأبي ذر تعبير بليغ «يا أبا ذر، اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وهو بمعنى أن العمر والصحة والغنى والفراغ والشباب غنائم يجب ان يغتنمها الإنسان.
وفي الحديث: (يا ابن آدم إنما أنت أيامك) وهو تعبير بليغ لا أعرف أبلغ منه في قيمة الوقت، وكلمة (إنما) من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية. . . وعليه يكون معنى الحديث الشريف: (إن كل رأس مال الإنسان) في حركته الصاعدة إلى الله هو أيامه التي رزقه الله في هذه الدنيا. . ففي هذه الأيام يرقى الإنسان إلى الله، وينال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من النعيم المقيم عند الله، وأعظم من ذلك كله وأشرف وأرفع من كل ذلك لقاء الله وجواره ورضوانه ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. المائدة/ 119 ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ التوبة/ 72.
وهذه هي البصيرة الأولى في هذه السورة المباركة في قيمة الوقت، والتحذير من إهداره، وتعطيله وإنفاقه فيما لا يعود إلى صاحبه بعائدة جليلة في حركته التكاملية إلى الله.
البصيرة الثانية
جواب القسم
﴿إن الإنسان لفي خسر﴾
نزيف العمر:
هذه الخسارة الحتمية التي تقررها سورة العصر ﴿إنّ الإنسان لفي خسر﴾، هي خسارة العمر. . وكلما ينقص من عمر الإنسان ساعة يخسر صاحبها شطراً من رأس ماله الذي آتاه الله.
فقد عرفنا في البصيرة الاولى في هذه السورة أن عمر الإنسان هو رأس ماله الذي قدّره الله تعالى له في الحياة الدنيا، فاذا مضت من عمره ساعة، دون أن يستغلها فقد خسر شطراً من رأس ماله.
وهذه الخسارة مستمرة متصلة في حياته. . في كل ساعة وكل دقيقة، بل في كل ثانية، بصورة تدريجية انسيابية.
فإنّ بالإمكان أن يحسب الإنسان كم يعيش من الثواني في هذه الدنيا اذا رزقه الله ثمانين سنة من العمر، فهي كمية محدودة من الدقائق والثواني، على كل حال. . ففي كل دقيقة وثانية يخسر الإنسان شطراً من رأس ماله الذي لا يعوّض.
ومن أغلاط الواهمة عند الإنسان أنه يتصور أنّ الأيام والليالي والأشهر والفصول والسنين تتكرر في حياته. . وهو ليس بتكرار. إنّ كل شطر ينقص من عمر الإنسان لن يعود إليه، ولن يتكرر في حياته، واليوم ليس تكراراً لغد، وهذه السنة ليست تكراراً للعام الذي مضى، وإنما هي أجزاء من عمر الإنسان تتفتت وتتقطع وتستهلك مع الأسف، من غير أن يستغلها الإنسان، وتذهب من غير رجعة. .
وتتساقط من عمره هذه الاجزاء جزءاً بعد جزء، وتستهلك بصورة تدريجية مستمرة، وهذا هو نزيف العمر القاتل، وهو شرّ أنواع النزيف في حياة الإنسان. والإنسان في غفلة من ذلك، فإذا نفذ آخر جزء من عمره يفيق عند ذلك من هذه الغفلة القاتلة.
لحظة الندامة
وهذه هي اللحظة الأخيرة من عمر الإنسان، تحلّ بالإنسان رغماً عليه، وهو ما كان عنه يحيد من قبل، ويحاول أن يتغافل عنه ويتناساه، فتحل به، وهي لحظة رهيبة في عمر الإنسان تشغل الإنسان عن كل شيء ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ ق/ 19.
فتحل الندامة بالمجرمين، حيث لا تنفع الندامة، وتتساقط في رهبة هذه اللحظة كل الحجب التي كانت تحجب الإنسان من قبل، فلا يحجبه الأمل، ولا الهوى ولا الغفلة، عما جنى في حياته. . منذ أن وعى نفسه إلى هذه اللحظة. . تتساقط عنه حجب الغفلة وطول الأمل، في لحظات سكرات الموت، مرة واحدة، وملك الموت (عليه السلام) ينتزعه من هذه الدنيا انتزاعاً قسرياً، فيتمنّى لو أن الله يعيده إلى الدنيا كرّة أخرى ليعمل صالحاً، فيأتيه الجواب الصادع بالنفي.
﴿حتى اذا جاء أحدهم الموت قال: ربّ ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت. كلاّ. إنّها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. المؤمنون/ 99 - 100 .
إن الإنسان لو وعى هذه البصيرة القرآنية: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، وعرف أنّ كل يوم وكل ساعة يمرّ من عمره، إنما يقتطع جزء من عمره، لن يعود إليه أبداً. . لو عرف الإنسان هذه البصيرة القرآنية حق المعرفة، تغيّر وجه حياته كلها، وتغيّر منهجه في الحياة.
الحسرة والندامة في كلمات علي بن الحسين (عليهما السلام):
وما أجمل كلمات الامام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام في دعاء الأسحار، برواية أبي حمزة الثمالي، في هذا المضمار، فاسمعوا إليه:
(وأعنّي (إلهي) على البكاء على نفسي. فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وقد نزلت منزلة الآيسين من خيري. فمن يكون أسوأ حالاً مني، إن أنا نقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهّده لرقدتي، ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي؟ وما لي لا أبكي، ولا أدري إلى ما يكون مصيري؟ وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني. وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت.
فما لي لا أبكي؟ أبكي لخروج نفسي. أبكي لظلمة قبري. أبكي لضيق لحدي. أبكي لسؤال منكر ونكير إياي. أبكي لخروجي من قبري عرياناً، ذليلاً، حاملاً ثقلي على ظهري).
وهذه المخادعة من النفس التي يشير اليها الامام (عليه السلام): (وأرى نفسي تخادعني) هي هذا الوهم الذي يصيب الإنسان، فيتوهم أنّ أيامه ولياليه وأسابيع عمره وشهور عمره هي تكرار متصل مستمر، يذهب ويعود، وليس كذلك للأسف، إنها قطع من عمر الإنسان ورأس ماله تقتطع من عمره، رغماً عليه من غير ان تعود إليه مرة أخرى.
وهذا الوهم من آثار الغفلة.
ثم يقول الامام (عليه السلام): (وأيامي تخاتلني) أي تتسرب من يدي، يوماً بعد يوم، في ختلة وغفلة، وخفية، من غير أنْ تكاشفني وتصارحني بأنها تذهب ولن تعود .
أقول: لو وعى الإنسان هذه البصيرة من القرآن: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ حق الوعي، كما يعرف الإنسان معنى هذه الخسارة وعمقها في آخر لحظة من حياته، لتغيّر وجه حياته، وتغيّر منهجه في الحياة، ولضحك قليلاً، وبكى كثيراً ﴿فليضحكوا قليلاً، وليبكوا كثيراً﴾ التوبة/ 82 .
رأس المال الذائب
إنّ عمر الإنسان هو كل رأس ماله. . ولكنه ليس من نوع رأس المال (الصلب) الذي يثبت على حالة واحدة، وإنما هو رأس مال ذائب، ينفذ بالتدريج، وفي غفلة من قبل صاحبه فلا ينتبه صاحبه إلا وقد نفذ رأس ماله كله، من غير أن يتمكن أن ينتفع به، ويستبدله بالعمل الصالح.
لقد كان يصوّر أحد علمائنا الأبرار حالة الخسر الدائم المتصل للإنسان بمن يشتري برأس ماله ثلجاً ليتاجر به، ويضعه تحت الشمس، ثم يلتهي عن تجارته ويغفل عنها، ويأخذ الثلج تحت الشمس بالذوبان الدائم المتصل، وينقص باستمرار، وصاحبه قد انشغل عنه. . ثم لا يفيق من غفلته إلاّ بعد أن يذوب الثلج، فيخسر كل رأس ماله في هذه الغفلة.
إنّ رأس مال الإنسان عندما يكون من النوع الذي يذوب وينقص من تلقاء نفسه، وليس من القسم الصلب الذي يبقى ويدوم يجب ان يتفرغ الإنسان لاستثماره واستغلاله قبل أن ينفذ.
إنّ عمر الإنسان هو رأس ماله، الذي لا يملك غيره، فإذا خسره خسر كل شيء. . وهذا الرأس مال من النوع الدائم الذوبان، وليس من النوع الصلب الذي يبقى ويدوم، ليلتهي عنه صاحبه.
فإذا عرف الإنسان هذه الحقائق من عمره التي تلخّصها سورة العصر بقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ بادر الإنسان إلى الاستفادة من عمره واستثمار ساعاته وأيامه في العمل الصالح، ابتغاءً لوجه الله.
يوم الحسرة
من أسماء يوم القيامة في القرآن (يوم الحسرة).
يقول تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر، وهم في غفلة لا يؤمنون﴾ مريم/ 39 .
وهذه الحسرة في الآخرة لها علاقة بغفلات الدنيا ﴿وهم في غفلة لا يؤمنون﴾. مريم/ 39 .
وهذه الغفلة هي سبب الخسارة العظيمة التي تنذرنا به سورة العصر ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾. ولو أن الإنسان كان منتبهاً حذراً في الدنيا لم يغفل عن هذا التناقص والخُسر الذي يصيبه في الدنيا، وتجنّبه وتحذّر منه، واستخدم عمره الذي يتناقص باستمرار في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
فهذه ثلاث مفاهيم مترابطة: الغفلة، والخسر في الدنيا، والحسرة في الآخرة.
والغفلة سبب للخسر وإهدار العمر في الدنيا، وهو سبب الحسرة يوم القيامة.
والغفلة تحجب عن الإنسان هذه الحالة المتصلة من الخسر والتناقص، وتوهم الإنسان بان الايام والليالي والشهور والسنين تتكرر. . فإذا حلّت اللحظة الأخيرة من عمر الإنسان، تساقطت عن الإنسان حجب الغفلة، وتكشفت له الحقيقة بكاملها، وتمثلت له الخسارة الكبيرة التي لحقته بسبب الغفلة، وهو خسارة عمره الذي لا يعود إليه البتّة.
عندئذ تنتابه الحسرة التي تتصل حلقاتها إلى يوم الحسرة الكبرى.
وكل الناس يومئذ يشعرون بالحسرة، على قدر الخسارة التي تحمّلوها في الدنيا، وخسائر الناس في الدنيا متفاوتة وحسراتهم في الآخرة كذلك متفاوتة، فليس من خسر سنين من عمره في غير الإيمان والعمل الصالح كمن خسر عمره كله، وليس من خسر أياماً من عمره كمن خسر سنين من عمره. . ولكن الناس كلهم تنتابهم الحسرة في ذلك اليوم الرهيب إلاّ القليل من عباد الله الصالحين الذين آتاهم الله بصيرة وحذراً وذكراً أنقذهم من غفلات الدنيا، فلم يخسروا شيئاً من أعمارهم في غير الايمان والعمل الصالح وأولئك قليل.
البصيرة الثالثة والرابعة
﴿إلاّ الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر﴾
وهذه هي البصيرة الثالثة والرابعة في هذه السورة العجيبة العظيمة، وهي الاستثناء من تلك القضية الحتمية التي سبقت في الآية السابقة في الخسران الدائم المستمر للإنسان ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾.
الحالة العامّة للناس:
إن الحالة الغالبة في تاريخ الإنسان على وجه الارض هي: ﴿إنّ الإنسان لفي خسر﴾.
وبناءً على ذلك فإنّ عامة الناس في التاريخ، وعلى وجه الارض، يخسرون أعمارهم، وهي رؤوس أموالهم التي منحهم الله تعالى في هذه الدنيا من دون مردود من الإيمان والعمل الصالح.
الاستثناء:
ولهذه الحالة العامة الغالبة من الخسران استثناء لا يدخل في دائرة الخسران التي يدخل فيها عامة الناس، وهو ﴿الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر﴾.
كيف ينقلب النقصان إلى ربح
حالة التناقص في الإنسان حالة حتمية، ولا سبيل لأحد لإيقاف هذا التناقص. العمر في تناقص، والشباب في تناقص، والصحة في تناقص والادراك في تناقص ﴿ومن نعمره ننكسه﴾.
ولكن من الممكن أن يتحول هذا التناقص إلى ربح، وذلك عندما يحوّل الإنسان العمر النافذ المستهلك إلى الإيمان، والعمل الصالح، وابتغاء الحق، والتواصي عليه، والتواصي بالصبر على الحق. . عندئذ يتحول التناقص في العمر والشباب إلى تكامل في الإنسان.
وفي غير هذه الصورة فإن التناقص في العمر والشباب والسلامة يتحول إلى (خُسْر) وهي للأسف القاعدة العامة في حالات الناس ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾.
وأما الذين يعرفون كيف يحوّلون التناقص إلى التكامل بالإيمان والعمل الصالح فأولئك قلّة من الناس، في حدود الاستثناء من تلك القاعدة ﴿الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
أركان الاستثناء:
وأركان الاستثناء أربعة: وهي الايمان، والعمل الصالح، ومعرفة الحق، والثبات على الحق والصبر عليه.
ولابدّ أن تجتمع هذه الاربعة حتى يخرج صاحبها من دائرة الخسران الواسعة التي تشمل عامة الناس، وسوف نشير إلى الاركان الاربعة للاستثناء ركناً بعد ركن إن شاء الله.
البصيرة الثالثة:
الايمان والعمل الصالح
وهما الركنان: الاول والثاني في هذا الاستثناء.
إنّ الأصل هو الإيمان بالله، والعمل الصالح ثمرة الايمان. . والإيمان في حياة الإنسان حالة مثمرة، وليس حالة عقيمة. . والعمل الصالح ثمرته، وضعف العمل وشحته أمارة ضحالة الإيمان، وبالعكس: تدفّق العمل الصالح من الإنسان علامة عمق الإيمان وتجذره في النفس.
والإيمان هو الكلمة الطيبة في حياة الإنسان، التي ترقى إلى الله، ولكن (العمل الصالح) هو الذي يرفع (الإيمان) إلى الله، ومن دون العمل الصالح يبقى (الإيمان) على وجه الارض ولا يرقى إلى الله.
يقول تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾. فاطر/ 10 .
إن الكلم الطيب هي التي تصعد إلى الله، ومنها الايمان. ولكن العمل الصالح يرفعها.
فإذا تجرد الايمان عن العمل الصالح يبقى الإيمان على وجه الارض، ولا يرقى إلى الله.
ويرقى الإيمان إلى الله بقدر العمل الصالح.
فمن يخلو إيمانه عن العمل لا يرقى إيمانه إلى الله.
ومن قلّ عمله يرقى عمله إلى الله قليلاً.
ومن كثر عمله يرقى عمله إلى الله كثيراً.
وعلى هذه القاعدة: الإيمان الكلمة الطيبة التي ترقى (تصعد) إلى الله، ولكن العمل الصالح يرفع الإيمان إلى الله. . . وعلى القدر العمل الصالح يصعد الإيمان إلى الله.
وهذه العلاقة التكاملية بين الإيمان والعمل الصالح من رقائق الثقافة القرآنية، تشير اليها الآية العاشرة من سورة فاطر.
شرط الحق:
ولكن لا يُخْرِجُ (الإيمان) و(العمل الصالح) الإنسان من دائرة الخسران، ولا يدخلانه في دائرة الاستثناء، إلاّ بشرط الحق، وما لم يتحقق هذا الشرط، فلا يخرج (الإيمان) و(العمل الصالح) صاحبهما من دائرة الخسران إلى دائرة الاستثناء والربح. فما أكثر الذين يؤمنون ويعملون، ولم يخرجهم الإيمان والعمل من دائرة الخسران، يعيشون فيها ويموتون فيها.
وقد صحّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أمته ستفترق إلى اثنين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلاّ فرقة واحدة. ولا شك أن الفرق الهالكة تؤمن بالله، ولا تخلو من العمل الصالح. . ولكن الإيمان بالله والعمل الصالح وحدهما لا يخرجانهم من دائرة الخسران: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ما لم يتحقق في إيمانهم وعملهم شرط (الحق)، وهو سلوك (المنهج الحق)، والصراط المستقيم، في الإيمان والعمل الصالح.
إن للإيمان والعمل الصالح مسالك ومناهج كثيرة، ولكن ليس كل هذه المسالك تؤدي بصاحبها إلى الخروج عن دائرة الخسران إلى دائرة (النجاة). فإن النجاة لا يتم الا من خلال مسلك الحق، من بين هذه المسالك والمناهج جميعاً.
لقد رفع معاوية - بتدبير من وزيره عمرو بن العاص - في معركة صفين، عندما بدأت الدوائر تنقلب عليهم. . رفع معاوية المصاحف وأمر بنداء الناس من جيش علي (عليه السلام) بإننا وإياكم نؤمن بإله واحد، ونصلي صلاة واحدة نتوجه فيها إلى قبلة واحدة، ونعمل بكتاب واحد، فلماذا القتال؟ وهو مغالطة واضحة.
والجواب واضح، وهو ان الإيمان بالله والعمل الصالح وحدهما لا يخرجان صاحبهما عن الضلال، إلاّ اذا استجاب صاحبهما لشرط (الحق) وقبل به. . وكان علي (عليه السلام) في حرب صفين على الحق[1]، ومعاوية على الباطل، وما لم يخرج أصحاب معاوية من طاعة معاوية إلى طاعة علي (عليه السلام) لا يخرجهم الإيمان والعمل الصالح، حتى لو كان صلاةً إلى القبلة، من (دائرة الخسران) إلى دائرة الاستثناء والنجاة.
لقد جعل الله تعالى (الحق) شرطاً للنجاة بالإيمان والعمل الصالح، وجعل للحق معالم في حياة المسلمين، لئلا يضلّوا، وكان علي (عليه السلام) من معالم الحق في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).
البصيرة الرابعة: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾
التواصي بمعرفة الحق، والتواصي بالصبر في الثبات على الحق
وأمر (الحق) صعب عسير شاق.
ومشقة الحق في أمرين أحدهما أشق من الآخر.
المشقة الاولى في معرفة الحق، وتشخيص الحق من بين المسالك التي يسلكها الناس.
والمشقة الثانية في الثبات على الحق والصبر عليه.
وكل منهما شاقّ، غير ان الثاني أشق من الأول. فلا يهتدي أحد إلى (الحق) إلاّ بعد جهد شاق وعسير في التحقيق والتحري والتثبت.
فإذا عرف الإنسان (الحق) فقد أحرز الشوط الاول من الطريق، وأمامه الشوط الثاني، وهو الثبات على الحق والصبر عليه، وهو أشق من الشوط الاول.
فقد اهتدى كثيرون للحق، ولم يثبتوا عليه، والثبات على الحق أصعب من معرفة الحق والاهتداء إليه.
فقد انفرط كثيرون من الذين وقفوا مع علي (عليه السلام) في (صفين) لمحاربة معاوية. . انفرطوا عن معسكر علي (عليه السلام)، وانضموا إلى معسكر معاوية وحاربوا الحسين (عليه السلام) نجل علي (عليه السلام) في (الطف) بنفس السيوف التي شهروها بوجه معاوية في (صفين).
وقد تمكّن بنو أمية من استدراجهم من مواقعهم في الولاء لعلي وآل علي (عليه السلام) إلى الولاء لبني أمية.
التواصي بالحق والصبر
وهذه المشقة المزدوجة في (الحق)، في معرفة الحق، وفي الثبات عليه، تتطلب من الناس أن يتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر على الحق والثبات عليه.
﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
ومن التواصي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعريف بالحق، والتوجيه، والإرشاد، والتثقيف، والتعليم، والتبليغ، والدعوة، ولولا ذلك كله لما عرف الناس الحق، ولما ثبتوا عليه ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ التوبة/ 122.
ولكيلا تزلّ أقدام الناس على طريق الحق والهدى، إلى مسالك الضلال، كما زلّت أقدام الكثيرين من الناس، لابد أن يتواصى الناس فيما بينهم، بعضهم مع بعض، لئلاّ ينحرفوا عن صراط الحق، ولا يخرجهم الهوى والطاغوت إلى مسالك الباطل.
فإن الناس اذا ساروا على الطرق السهلة الميسّرة لا يحتاجون إلى أن يتماسكوا ببعض، لئلا ينزلقوا ويسقطوا، ولكن اذا ساروا على الطرق الجبلية الوعرة الخطيرة، احتاجوا إلى ان يتماسكوا فيما بينهم، ويشدوا بعضهم ببعض بحبال السلامة، حتى يحفظ بعضهم بعضاً، فإذا انزلق أحدهم على الطريق، حفظه الآخرون، وكذلك يفعل المتسلقون على الجبال الوعرة.
وفي طريق الحق لمعرفة الحق، وللثبات والصبر عليه، يحتاج الناس إلى مثل هذا التماسك حتى يحفظ بعضهم بعضاً في معرفة الحق، وفي الثبات والصبر عليه.
وهذا هو معنى التواصي بالحق والتواصي بالصبر والثبات على الحق.
﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
إذن لا يتم الخروج من دائرة الخسران إلى دائرة النجاة إلاّ بـ (الإيمان والعمل الصالح). . أولاً.
وشرط الإيمان والعمل الصالح هو سلوك مسلك الحق من بين سائر المسالك، ثانياً.
وشرط معرفة الحق والثبات عليه هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر عليه، ثالثاً.
وهذه هي البصيرة الرابعة في هذه السورة.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــ
[1] وردت النصوص الكثيرة بأن علياً (عليه السلام) مع الحق والحق مع علي) في أمهات المصادر الشيعية والسنية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطرق وأسانيد مستفيضة، جملة منها صحيحة، لا يمكن التشكيك يها. راجع: كتاب (علي ميزان الحق) للعالم المحقق محمد كوزل الآمدي
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد العراقي

avatar

عدد المساهمات : 148
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 15/06/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: إربعة بصائر في سورة العصر   نوفمبر 1st 2010, 20:09


شكرا اخي العزيز
موضوع مميز
وفقك الله

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-
[b][img]


برقية شكر الى كل الذين سقطوا من عيني !! لأنهم بسقوطهم أتاحوا لي رؤية الأشياء بشكل أوضح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahlatow.yoo7.com
انين
مشرفة منتدى المرأة والطفل
 مشرفة منتدى المرأة والطفل
avatar

عدد المساهمات : 72
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 17/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: إربعة بصائر في سورة العصر   نوفمبر 18th 2010, 01:32

سلمت الانامل
موضوع رائع

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
إربعة بصائر في سورة العصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات احلى اثنين :: 
القسم الاسلامي
 :: المنتدى الاسلامي العام
-
انتقل الى: